تدرس سويسرا فكرة خفض مؤقت للسرعة القصوى على طرقها السيارة إلى 80 كيلومتراً في الساعة بسبب مخاوف حول إمدادات الوقود، وهي فكرة يجدها المراقبون قابلة للتطبيق في المغرب، البلد الذي يستورد كل احتياجاته من الطاقة تقريباً ويعتمد اعتماداً واسعاً على النقل الطري.
غير أن أي سقف وطني للسرعة يضع البلاد أمام معادلة مزدوجة: كميات أكبر من البنزين والديزل قد تُوفَّر، مقابل كلفة على مالية مستغل الطرق السيارة، وعلى مداخيل شركات النقل، وعلى إيرادات الضرائب.
كم يمكن لتخفيض السرعة أن يوفّر من الوقود؟
كلما تراجعت السرعة قلّت الطاقة التي يحتاجها المحرك لمقاومة الهواء. والانتقال من 120 إلى 80 كيلومتراً في الساعة يقلّص المقاومة الهوائية بنحو 56% إذا بقيت الظروف الأخرى على حالها.
لكن الأثر على الاستهلاك أدنى من ذلك، لأن المحرك يواجه أيضاً مقاومة الإطارات والخسائر الميكانيكية. وتشير التقديرات إلى أن بعض السيارات التقليدية قد تستهلك وقوداً أقل بنسبة 20 إلى 25% عند 80 كيلومتراً مقارنة بـ120 في الظروف المواتية، مع تباين النتيجة بحسب المركبة والمحرك وحالة الطريق وحركة المرور وأسلوب القيادة.
وتمنح التجارب المقارنة صورة عن حجم هذا التباين. ففي 1974 فرضت الولايات المتحدة سقفاً وطنياً للسرعة عند 55 ميلاً في الساعة، أي نحو 88 كيلومتراً، بعد أزمة النفط في 1973، وتقدّر المعطيات أن الإجراء خفّض استهلاك الوقود في قطاع النقل بنحو 1 إلى 3%.
وفي 2011 خفّضت إسبانيا مؤقتاً السرعة على طرقها السيارة من 120 إلى 110 كيلومترات في الساعة مع صعود أسعار النفط، وتقدّر التحليلات أن الانخفاض النهائي في الاستهلاك الوطني بلغ نحو 2 إلى 3%.
لماذا تثير الإمدادات القلق؟
يعتمد المغرب على واردات المنتجات النفطية المكررة منذ إغلاق مصفاة سامير في 2015، ما يعرّضه لتقلبات أسعار النفط وكلفة التكرير في الأسواق الدولية ونفقات الشحن. وأي اضطراب في الممرات الكبرى للإمداد، ومنها مضيق هرمز، قد يجعل تأمين كميات كافية أمراً أصعب.
وتمنح الاحتياطيات الاستراتيجية هامشاً مؤقتاً؛ إذ ألزم الإطار القانوني تاريخياً موزعي الوقود بالاحتفاظ بمخزون يعادل 60 يوماً من الاستهلاك الوطني، بينما تظهر الأرقام أن تغطية الديزل تتراوح بين 47 و51 يوماً، والبنزين نحو 55 يوماً.
وقد يطيل خفض الاستهلاك بنسبة 10 إلى 15% عمر هذه المخزونات، رهناً بحجم ما يمكن توفيره من الإجمالي الوطني ومدى التزام السائقين والمقاولات. وتوفّر هذه المهلة الإضافية وقتاً للسلطات لترتيب إمدادات بديلة في حال انقطاع خطير.
ويشكّل الديزل ما بين 75 و80% من أسطول المركبات، وهو أسطول في توسّع: تجاوزت مبيعات السيارات الجديدة 176 ألف وحدة في 2024، وبلغت التسجيلات أكثر من 235 ألفاً مع نهاية 2025، فيما تبقى الهجينة والكهربائية حصة صغيرة منه. وقد تساعد السرعة الأقل السيارات الكهربائية على قطع مسافة أطول بالشحنة الواحدة، لأن مقاومة الهواء ترتفع بحدّة في السرعات العالية.
الخطر المالي على مستغل الطرق السيارة
يملك المغرب نحو 1800 كيلومتر من الطرق السيارة تستغلها شركة الطرق السيارة بالمغرب (ADM) المدعومة من الدولة. ويدفع السائقون مقابل استخدامها جزئياً لأنها تختصر الوقت، وهي ميزة قد تتضاءل إذا اقتربت أزمنة الرحلات من تلك التي توفّرها الطرق الوطنية المجانية.
وبلغ دين الشركة نحو 39.4 مليار درهم مع نهاية 2024، بعد أن ارتفعت إيراداتها السنوية من نحو 3.3 مليار درهم في 2019 إلى ما يقارب 4.7 مليار درهم في أرقام أحدث. وتراجع حركة المرور يعني موارد أقل لخدمة الدين وصيانة الشبكة، ما قد يدفع الحكومة إلى تقديم دعم مالي أو إعادة هيكلة التزامات الشركة.
وقد أظهرت جائحة كوفيد-19 سرعة تعرّض مالية الطرق السيارة للضغط عند هبوط الحركة، بتراجع بلغ 70 إلى 90% خلال أسوأ فترات القيود في 2020. وسيكون أثر حد 80 كيلومتراً مختلفاً، لكن بعض السائقين قد يتحولون بصفة دائمة إلى طرق بديلة إذا لم يعودوا يرون في أداء الرسوم جدوى.
الأثر على إيرادات الدولة
يولّد استهلاك الوقود إيرادات ضريبية عبر الضريبة الداخلية على الاستهلاك (TIC) والضريبة على القيمة المضافة على الواردات. وبلغت عائدات الضريبة الداخلية على الطاقة نحو 16.3 مليار درهم في 2021، وبقيت فوق 16 ملياراً في 2022، فيما تضع توقعات ميزانية 2025 الرقم قرب 19.5 مليار درهم. وتقدّر الضريبة على القيمة المضافة المحصلة على منتجات الطاقة المستوردة بأكثر من 18 مليار درهم.
وسيقلّص انخفاض مبيعات الوقود هذه العائدات، بحجم يتوقف على مقدار تراجع الاستهلاك والضرائب المطبقة على كل منتج وتغيّر الأسعار الدولية. وفي المقابل، قد توفّر الحكومة نفقات؛ فخلال موجة التضخم في 2022 و2023 خصصت نحو 12 مليار درهم لدعم مهنيي النقل المتضررين من ارتفاع أسعار الديزل.
كما أن تقليص الواردات يخفف الضغط على هؤلاء المهنيين ويحدّ من الطلب على مساعدات طارئة، ويساعد الميزان التجاري على الحفاظ على العملة الصعبة.
رحلات أطول لسيارات الأجرة والمقاولات
ينقل النقل الطري نحو 90% من حركة البضائع والمسافرين في المغرب، وهو ما يعني أن سقفاً أدنى للسرعة سيمس قطاعاً واسعاً من الاقتصاد. والشاحنات الثقيلة ملزمة أصلاً بحد أقصى قدره 80 كيلومتراً في الساعة بمقتضى قواعد السير المغربية، وقد يقرّب حد جديد للسيارات سرعتها من سرعة الشاحنات، فيقلّل التجاوزات ويغيّر نسق الحركة.
وقد تتحمل شركات نقل المسافرين كلفة إضافية؛ فشركات الحافلات بعيدة المدى تنظّم خدماتها على أساس أزمنة الرحلة، فيما يتجاوز عدد سيارات الأجرة الكبيرة 45 ألفاً وتؤمّن الربط بين المدن. ورحلات أطول تعني عدداً أقل من الرحلات في اليوم ومداخيل أدنى للسائقين، وقد تسعى المقاولات إلى رفع التعريفة، ما يزيد كلفة التنقل على المستخدمين.
وقد تتأخر شركات نقل البضائع أيضاً. وميناء طنجة المتوسط بوابة رئيسية للتجارة الدولية، وتشير التقديرات إلى نحو 700 ألف حركة شاحنة للنقل الدولي للبضائع سنوياً داخل شبكته الأوسع. ويعتمد مصدّرو المواد القابلة للتلف، ومنهم منتجو الخضر والفواكه في جهة سوس ماسة، على رحلات موثوقة لإيصال منتجاتهم إلى الأسواق.
هل تصبح الطرق أكثر أماناً؟
يسجّل المغرب ما يقارب 3500 إلى 4500 وفاة على الطرق سنوياً، إلى جانب أكثر من 160 ألف حادثة مصرّح بها، وتقدّر الكلفة الاقتصادية للحوادث بأكثر من 15 مليار درهم في السنة. والسرعة الأقل تعني طاقة أقل تتحرر عند الاصطدام: فعند 80 كيلومتراً في الساعة تحتفظ المركبة بنحو 44% من طاقتها الحركية عند 120، بافتراض ثبات الكتلة.
ولا يعني ذلك أن الوفيات ستنخفض بالنسبة نفسها، لأن نتيجة الحادث تتوقف على حالة الطريق وتصميم المركبة وملابسات الاصطدام.
وتستخدم الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (نارسا) كاميرات مراقبة ثابتة ومتنقلة، وسيقتضي تطبيق حد أدنى للسرعة مراقبة فعلية والتزاماً من السائقين. ويمكن للقيادة الأبطأ أن تخفف كذلك استهلاك الوقود والانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري، إذ يمثل النقل حصة معتبرة من استهلاك الطاقة في البلاد.
ما الذي يمكن للحكومة فعله؟
قد يساعد سقف 80 كيلومتراً المغرب على إطالة أمد احتياطياته في أزمة إمداد خطيرة، لكن فعاليته مرتبطة بحجم النقص وعدد الملتزمين به ونصيب الاستهلاك الوطني القابل للتقليص. ويمكن للحكومة أن تنظر، بدلاً من ذلك أو إلى جانبه، في قيود سرعة موجهة، وتشديد تطبيق القواعد القائمة، وإجراءات لتشجيع القيادة المقتصدة في الوقود.
وتوحي الأرقام بأن حداً شاملاً قد يكلّف شركات النقل ومالية الطرق السيارة والإيرادات العامة ثمناً معتبراً، وهي كلفة ينبغي موازنتها بالمكاسب المحتملة في فاتورة الاستيراد والدعم الطارئ. وعلى المدى الطويل، يمكن لتوسيع خدمات السكك الحديدية وتحسين نجاعة المركبات والرفع من حصة الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة أن يقلّص اعتماد البلاد على الوقود المستورد.
وقد يمنح حد السرعة الأدنى مهلة إضافية في أزمة وقود، لكن تحرير الاقتصاد من تبعية الوقود المستورد يحتاج إلى تغييرات تدوم أطول من الأزمة نفسها.
