لا يزال جزء مهم من سكان المغرب خارج منظومة التغطية الصحية، رغم التقدم المسجل خلال السنوات الأخيرة في تعميم التأمين الإجباري عن المرض وتوسيع دائرة المستفيدين من برامج الحماية الاجتماعية.
وتشير المعطيات الأخيرة إلى أن ما يقرب من ثلث السكان لا يستفيدون حتى الآن من تغطية صحية فعلية، وهو ما يكشف استمرار فجوة بين عدد الأشخاص المسجلين في أنظمة التأمين وبين المستفيدين فعليًا من الخدمات والتعويضات الصحية.
وتأتي هذه الأرقام في وقت جعل فيه المغرب تعميم الحماية الاجتماعية أحد أبرز مشاريعه الإصلاحية، بهدف تمكين مختلف الفئات، بما فيها التي كانت خارج الأنظمة التقليدية، من الاستفادة من التأمين الصحي.
ملايين المغاربة خارج التغطية الفعلية
شهد عدد المسجلين في نظام التأمين الإجباري عن المرض ارتفاعًا كبيرًا بعد توسيع المنظومة لتشمل فئات جديدة، من بينها العاملون غير الأجراء والأشخاص غير القادرين على أداء الاشتراكات.
لكن التسجيل في النظام لا يعني بالضرورة الاستفادة الفعلية من التغطية الصحية، إذ توجد فئات مسجلة لكنها تفقد مؤقتًا حقها في بعض الخدمات بسبب عدم انتظام أداء الاشتراكات أو عدم استيفاء الشروط المطلوبة.
وتظهر هذه الإشكالية بشكل خاص لدى بعض العاملين المستقلين وغير الأجراء، حيث قد يؤدي تراكم الاشتراكات غير المؤداة إلى تعليق الاستفادة من التعويضات والخدمات الصحية.
ولهذا يصبح التمييز بين عدد المسجلين رسميًا وعدد الأشخاص الذين يتمتعون فعلًا بحقوق التأمين عنصرًا أساسيًا عند تقييم مدى نجاح مشروع تعميم التغطية الصحية في المغرب.
تحديات مالية أمام نظام التأمين الصحي
يواجه نظام الحماية الصحية أيضًا تحديات مرتبطة بتمويله على المدى الطويل، خاصة مع اتساع قاعدة المستفيدين وارتفاع النفقات المتعلقة بالعلاج والأدوية والخدمات الطبية.
وتتحمل الدولة مساهمات عدد من الفئات المستفيدة، ما يفرض توفير موارد مالية مستدامة للحفاظ على قدرة النظام على أداء دوره وضمان استمرار التغطية دون التأثير في جودة الخدمات.
كما يرتبط نجاح الإصلاح بقدرة القطاع الصحي على الاستجابة للطلب المتزايد الناتج عن توسيع قاعدة المؤمن لهم، وهو ما يجعل تطوير المستشفيات والمراكز الصحية والموارد البشرية جزءًا أساسيًا من عملية تعميم الحماية الصحية.
نقص الأطباء وتفاوت الخدمات بين الجهات
ولا تتوقف تحديات التغطية الصحية عند مسألة التأمين، إذ تواجه المنظومة الصحية المغربية كذلك صعوبات مرتبطة بتوزيع الأطباء والممرضين والمؤسسات الطبية بين مختلف مناطق المملكة.
وتزداد المشكلة في عدد من المناطق القروية والجهات البعيدة عن المدن الكبرى، حيث قد يمتلك المواطن تغطية صحية لكنه يجد صعوبة في الوصول إلى طبيب متخصص أو مؤسسة قادرة على توفير العلاج المطلوب.
وبالتالي، فإن الوصول إلى تغطية صحية شاملة لا يعتمد فقط على إدراج المواطنين في نظام التأمين، بل يتطلب أيضًا تحسين العرض الصحي وتطوير المستشفيات وتوفير أعداد كافية من الأطر الطبية وشبه الطبية.
تعميم الحماية الاجتماعية أمام مرحلة جديدة
سمح مشروع تعميم الحماية الاجتماعية بإدماج ملايين المواطنين في نظام التأمين الإجباري عن المرض خلال فترة قصيرة، في خطوة شكلت تحولًا مهمًا في السياسة الاجتماعية بالمغرب.
لكن استمرار وجود نسبة كبيرة من السكان خارج التغطية الفعلية يوضح أن الوصول إلى حماية صحية شاملة ما زال يتطلب معالجة مجموعة من الاختلالات الإدارية والمالية والصحية.
وتتمثل إحدى الأولويات خلال المرحلة المقبلة في تقليص عدد الأشخاص الذين لا يستفيدون من التغطية، إلى جانب ضمان عدم فقدان المسجلين لحقوقهم بسبب صعوبات مرتبطة بأداء الاشتراكات.
كما يبقى تطوير جودة الخدمات وتسهيل الوصول إلى العلاج من العناصر الحاسمة، حتى يتحول توسيع التأمين الصحي من تغطية إدارية إلى حماية فعلية يشعر المواطن بأثرها عند الحاجة إلى العلاج.