تستعد السلطات الإيرانية لتنظيم مراسم تشييع حاشدة تمتد لعدة أيام لوداع الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي، في حدث تسعى من خلاله الجمهورية الإسلامية إلى إظهار حجم الولاء الشعبي للنظام، والتأكيد على استمرار الحماس الثوري رغم تداعيات الحرب والاضطرابات الداخلية.
وبحسب المعطيات المتداولة، قُتل خامنئي خلال الغارات الأمريكية الإسرائيلية الأولى التي استهدفت إيران في بداية الحرب، على أن تنطلق مراسم جنازته في عطلة نهاية الأسبوع من طهران، قبل أن تمتد إلى قم ومشهد، إضافة إلى مراسم أخرى مرتقبة في العراق.
وقال آية الله محمد سعيدي، إمام صلاة الجمعة في قم، في تصريحات لوسائل الإعلام الرسمية، إن الحضور الشعبي الكبير في جنازة “الزعيم الشهيد” وباقي القتلى سيكون “استفتاء آخر على الجمهورية الإسلامية”.
وتعول السلطات على حشد ملايين المشاركين في مختلف المدن الإيرانية، مع توفير وسائل النقل والإقامة والطعام، في محاولة لتقديم صورة قوة وتماسك بعد حرب وصفتها طهران بأنها وجودية.
وتشكل وفاة خامنئي، وتولي ابنه مجتبى موقع الزعيم الأعلى الثالث لإيران، لحظة مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية الممتد منذ 47 عاما، خصوصا أنها تأتي في خضم مواجهة مفتوحة مع أبرز خصوم البلاد.
ولم يظهر مجتبى خامنئي في صور جديدة منذ بداية الحرب، بعدما أصيب بجروح خطيرة في الهجوم ذاته الذي أودى بحياة والده وعدد من أفراد العائلة.
ورغم سعي السلطات إلى إبراز مشاهد الوحدة والولاء، يرى محللون أن هذه المظاهر تخفي هشاشة في الدعم الشعبي للنظام. فالكثير من الإيرانيين يعانون من آثار العقوبات الاقتصادية المستمرة منذ عقود، إلى جانب غضب متراكم من سياسات القمع التي تنفذ باسم الثورة الإسلامية.
وكانت احتجاجات واسعة قد اندلعت في دجنبر ويناير بسبب التضخم وتدهور الأوضاع المعيشية، وردد خلالها متظاهرون شعارات ضد خامنئي، قبل أن تتمكن السلطات من قمعها بعنف.
وبعد انتشار أخبار مقتل خامنئي في الأيام الأولى من الحرب، أفاد سكان في طهران بسماع هتافات من بعض النوافذ والشقق في أجزاء من المدينة، في مؤشر على حالة الانقسام داخل المجتمع الإيراني.
وتعيش العاصمة طهران حاليا أجواء من التوتر والهدوء الحذر، في مشهد يختلف بشكل واضح عن جنازة آية الله روح الله الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية، حين احتشد الملايين في حالة حزن واسعة.
وقالت سميرة، وهي سيدة تبلغ 35 عاما ويملك زوجها مطعما في طهران، إن عائلتها لا تنوي حضور أي من فعاليات الجنازة، وإنها ستغادر العاصمة لقضاء الأسبوع خارج المدينة. وأضافت: “يبدو الأمر وكأن الحياة توقفت، وأفراد الباسيج في كل مكان”.
وتحمل جنازة خامنئي رمزية دينية وسياسية قوية داخل النظام الإيراني، إذ لم يكن مجرد قائد للدولة، بل كان يمثل، وفق التصور الرسمي، امتدادا للمرجعية الدينية والثورية المرتبطة بفكرة الإمام الغائب لدى الشيعة.
ومنذ إعلان وفاته، انتشرت الرايات السوداء في شوارع المدن الإيرانية، كما استُحضرت رموز الحداد الشيعية المرتبطة بذكرى الإمام الحسين، في محاولة لإضفاء طابع استشهادي على الحدث.
وفي طهران، بدأ عمال في تعليق ملصقات جديدة تعلن الدعم للزعيم الجديد مجتبى خامنئي، إلى جانب صور والده الراحل وقبضة ثورية مرفوعة في الخلفية.
وقال محسن، وهو عضو في قوات الباسيج يبلغ 24 عاما، إن هذه “أصعب أيام حياته”، مضيفا: “لا أتذكر وفاة الإمام الخميني، لكن والدي يقول إن البلاد كلها كانت غارقة في الحزن. واليوم أيضا، الناس في حداد، خصوصا بعد استشهاد قائدنا”.
ومن المنتظر أن تقدم شخصيات ومسؤولون أجانب، من بينهم وفود من روسيا والصين، التعازي خلال فعاليات يوم الجمعة.
وسيُنقل جثمان خامنئي، يوم السبت، إلى أحد مساجد طهران في أول محطة من جولة جنائزية داخل البلاد. كما سيُحمل معه جثمان ابنته وزوجها وحفيدته، إضافة إلى زوجة مجتبى خامنئي، الذين قتلوا جميعا في الغارة نفسها.
ولإنجاح المراسم، أعلنت فنادق عن تخفيضات تصل إلى 50 في المائة، فيما جرى تجهيز مدارس ومساجد وقاعات رياضية لاستقبال المشيعين، إلى جانب تعديل مسارات الحافلات والقطارات لخدمة مواقع التجمعات الرئيسية.
وبعد موكب جنائزي كبير في وسط طهران يوم الاثنين، سيُنقل الجثمان إلى مدينة قم، مركز الحوزات العلمية والقيادة الدينية الشيعية في إيران، لإقامة مراسم يوم الثلاثاء.
ثم تقام مراسم أخرى في النجف وكربلاء بالعراق يوم الأربعاء، بحضور شخصيات بارزة من شبكة الحلفاء الشيعة، قبل أن يُدفن خامنئي يوم الخميس في مشهد، قرب ضريح الإمام الرضا، بعد موكب جنائزي أخير.
وترافق هذه المراسم إجراءات أمنية مشددة، تشمل قيودا مؤقتة على المجال الجوي فوق طهران ومدن أخرى، وسط تهديدات إيرانية برد قوي في حال استئناف الولايات المتحدة أو إسرائيل هجماتهما.
وقال حسين خيري، وهو جندي سابق شارك في الحرب العراقية الإيرانية بين 1980 و1988، أثناء وقوفه تحت صورة لخامنئي في طهران: “نحن نظهر قوتنا لأمريكا وللآخرين بطريقتنا الخاصة”.