أوقفت الشرطة الجنائية الفدرالية في ولاية شمال الراين وستفاليا، في السادس من أكتوبر 2026، أوغست هانينغ، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية الألماني “BND”، إلى جانب مساعده السابق مانفريد د.، في قضية تتعلق بشبهات التجسس وتسريب أسرار الدولة ومحاولة الخيانة. وأمر قاضي التحقيق لدى المحكمة الاتحادية بوضع مانفريد د. رهن الاعتقال الاحتياطي، فيما لم يصدر بعد أي حكم قضائي في الملف.
يبلغ هانينغ الثمانين من عمره، وقد أمضى عقودا في قلب المنظومة الأمنية، قبل أن يصبح هو نفسه موضوع تحقيق تتولاه النيابة العامة الفدرالية في كارلسروه، الجهة التي تتدخل عندما يصل الملف إلى أمن الدولة والتجسس والخيانة.
قضية عائلية قادت إلى الشبهة
بدأ التحقيق من مداهمة نفذها المحققون في سبتمبر 2025 لمنزل هانينغ ومكاتب مرتبطة به، على خلفية ملف كريستينا بلوك، وريثة سلسلة مطاعم ألمانية معروفة التي تحاكم على خلفية اتهامات تتصل باختطاف اثنين من أطفالها من طليقها، وهي اتهامات تنفيها. وكان اسم هانينغ قد برز بسبب صلته بنشاط أمني خاص والاشتباه في وجود علاقة له بمحاولة اختطاف.
وأثناء التفتيش عثرت السلطات على مواد استوقفت المحققين، انتقل بعضها إلى النيابة العامة الفدرالية في كارلسروه، ليتحول مسار القضية تدريجيا من نزاع عائلي إلى علاقة محتملة بين رئيس سابق للاستخبارات وموظف ظل سنوات داخل الجهاز، ووثائق سرية يُشتبه في أنها كانت تتسرب بعيدا عن المسار الرسمي.
مسار داخل الدائرة الضيقة للدولة
ولد أوغست هانينغ في 16 فبراير 1946 بولاية شمال الراين وستفاليا، ودرس القانون قبل أن ينال الدكتوراه في مونستر سنة 1975. دخل مؤسسات الدولة عبر وزارة الداخلية، ثم انتقل إلى المستشارية في مرحلة كان هلموت شميت يدير فيها ألمانيا الغربية وسط انقسام أوروبي عميق وحرب باردة وضعت أجهزة الاستخبارات في قلب القرار السياسي.
وفي 1986 انتقل إلى الممثلية الدائمة لألمانيا الغربية لدى ألمانيا الشرقية، قبل ثلاث سنوات من سقوط جدار برلين، ثم عاد بعد الوحدة الألمانية إلى المستشارية في عهد هلموت كول. وبحلول 1996 صار منسقا لأجهزة الاستخبارات، وهو موقع يضع صاحبه أمام الصورة التي تجمع ما تصل به الأجهزة المختلفة ويقربه من ملفات الأمن الخارجي ومصالح الدولة.
وفي دجنبر 1998 أصبح رئيسا لجهاز الاستخبارات الخارجية “BND”، وظل في المنصب حتى نونبر 2005. وبعد مغادرته الجهاز لم يبتعد عن الدولة، إذ انتقل إلى وزارة الداخلية كاتبا للدولة في عهد الوزير فولفغانغ شويبله.
مانفريد د. والترتيب المشتبه فيه
رافق هانينغ خلال جزء مهم من مساره مانفريد د.، الذي عمل مديرا لمكتبه في جهاز الاستخبارات، ثم انتقل معه إلى وزارة الداخلية مساعدا، واستمرت علاقتهما المهنية سنوات، قبل أن يتحول هانينغ إلى العمل مستشارا خاصا.
وتعتقد النيابة العامة الفدرالية أن الرجلين توصلا، على الأرجح في ربيع 2010، إلى ترتيب يقضي بأن يواصل مانفريد تزويد رئيسه السابق بمعلومات ثمينة من داخل “BND” مقابل مبالغ مالية، يستخدمها هانينغ في نشاطه الاستشاري، وهو ما يعني، إن ثبت، استمرار تدفق معلومات جديدة إلى شخص غادر المؤسسة.
وعاد مانفريد إلى الجهاز في مارس 2012، وتولى إدارة مكاتب الرؤساء المتعاقبين عليه، في مواقع قريبة من قيادته، وظل هناك حتى مارس 2026. وبحسب التحقيقات، أتاح له هذا الموقع الوصول إلى معلومات مصنفة وسرية.
نحو ألفي وثيقة وطرف أجنبي
يشتبه المحققون في أن مانفريد سلم نحو ألفي وثيقة إلى هانينغ على امتداد سنوات وحتى يونيو 2022 على الأقل، وكان بينها، بحسب النيابة، مواد مصنفة سرية مخصصة للاستعمال الداخلي في الجهاز، ومنها وثائق مرتبطة باجتماعات تقييم الوضع الاستخباراتي.
وتقول النيابة إن رئيس “BND” السابق استخلص من هذه المواد معلومات سياسية زود بها موظفا تابعا لجهاز استخبارات أجنبي كان على تواصل مكثف معه سنوات. وهناك تحليل آخر يُشتبه في أن هانينغ أعدّه اعتمادا على معلومات من الداخل لمصلحة مسؤول في جهاز استخبارات أجنبي، فيما يبحث المحققون ما إذا كان قد وصل فعلا إلى صاحبه المفترض.
ولم تقدم السلطات الرسمية جوابا علنيا عن هوية الطرف الأجنبي. ونقلت وكالة فرانس برس أن الجهاز المعني ليس روسيا، في حين كشفت مجلة “دير شبيغل” أن المحققين يدرسون الاشتباه في علاقة هانينغ بعنصر في الاستخبارات الأذربيجانية، وأن التحليل الذي أعده ربما كان موجها إلى هذا الطرف، وهي معلومة نسبت إلى المجلة ولم تتبنها النيابة العامة. وتحدثت وسائل إعلام ألمانية أيضا عن تقارير حساسة مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني والجيش الروسي، من دون أن يُكشف مضمون الوثائق رسميا.
وأكد الرئيس الحالي لـ”BND”، مارتن ييغر، أن الجهاز باشر تحقيقات داخلية واسعة في مرحلة مبكرة، وأن نتائجها عززت الشبهات، مشددا على عدم تقديم أي تنازل يتعلق بالأمن الداخلي.
تداعيات برلمانية
وقال مارك هنريشمان، رئيس اللجنة البرلمانية المكلفة بمراقبة أجهزة الاستخبارات، إن العمل بالمعلومات السرية مسألة أمن قومي، فيما طالب كونستانتين فون نوتس، نائب رئيس اللجنة عن حزب الخضر، بتقييم كامل للأضرار الاستخباراتية المحتملة.
وأثار فون نوتس مسألة انتقال مسؤولين امتلكوا إمكانية الوصول إلى أسرار الدولة إلى القطاع الخاص، ثم استخدام شبكاتهم القديمة في أعمال استشارية مدفوعة، وهي نقطة قد تصبح من أبرز النتائج السياسية للقضية، لأن فصل مسؤول سابق عن الشبكة التي بناها خلال عقود يظل أصعب من سحب تصاريحه.
ولم تصدر بعد أحكام في الملف، ولا تزال الوقائع محل اتهام وتحقيق، كما لم تكشف السلطات رسميا كل الأدلة التي تملكها. وتبقى المفارقة أن هانينغ، الذي أمضى سنوات في تتبع أسرار دول أخرى، وجد نفسه في الثمانين من عمره مطالبا بتفسير ما جرى لأسرار دولته.
