تناقضات واضحة في المفاهيم أصبحت تبرز في تعامل الأجهزة الأممية مع قضية الصحراء المغربية، إذ يستمر مجلس الأمن في النظر إليها كمسألة تتعلق بالسلام والأمن الدوليين، مقابل تصنيف اللجنة الرابعة لها كقضية تصفية استعمار، كما يتضح من صياغة التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة الذي يغطي التطورات من أول يوليو 2024 إلى 30 يونيو 2025، والذي يحذر من امتداد النزاع لأكثر من خمسين عاماً مع تأكيد على ضرورة حل سياسي عادل ودائم.
يُمثل استمرار مناقشة الملف داخل اللجنة الرابعة شكلاً من الازدواجية في مقاربة قضية الصحراء المغربية ضمن منظمة الأمم المتحدة، كما لاحظه مراقبون في العلاقات الدولية يتابعون التطورات، وقد استطلعت هسبريس آراءهم، مشددين على أهمية تعزيز جهود المملكة لاستكشاف إمكانية إخراج الملف من اللجنة، كخطوة نحو إنهاء النزاع المصطنع نهائياً، خاصة مع اعتراف أكثر من 112 دولة بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
مع اقتراب التاسع من سبتمبر 2025، تنطلق الدورة الثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة تحت شعار: «بالعمل معا نحقق نتائج أفضل.. ثمانون عاماً وأكثر من أجل السلام والتنمية وحقوق الإنسان»، حيث يُتوقع عودة قضية الصحراء المغربية إلى الصدارة في النقاشات السياسية داخل الأروقة الأممية، إذ تسعى اللجنة الرابعة المعنية بإنهاء الاستعمار إلى دراسة «تقرير غوتيريش» قبل إحالته إلى الجلسة العامة للجمعية.
وفي إشارة بارزة ضمن مقدمة تقرير الأمين العام الحالي للمنظمة الدولية، يُعالج مجلس الأمن قضية الصحراء المغربية كمسألة سلام وأمن، داعياً في قرارات متتالية إلى الوصول إلى حل سياسي عادل ومستدام ومتفق عليه من الطرفين(…).
“تعزيز الجهود لتصويب الوضعية”
في تعليق على الموضوع وتداعياته، أبرز محمد العمراني بوخبزة، محلل في العلوم السياسية والعلاقات الدولية وأكاديمي بجامعة عبد المالك السعدي، أن “قضية الصحراء المغربية مرت بمراحل تاريخية معقدة؛ ابتداء من فترة الاستعمار الإسباني قبل 1975، مروراً بإدراجها في اللجنة الرابعة كمنطقة غير ذاتية الحكم عندما طالب المغرب بذلك آنذاك، لكن ‘اتفاق مدريد’ كمحطة قانونية رئيسية مهد لانسحاب إسبانيا من الإقليم وتسليم وثائق السيادة إلى الأمم المتحدة، إلا أن بقاء الملف ضمن أعمال اللجنة الرابعة يظل واحداً من الثغرات التي يجب معالجتها بجدية وحزم”.
وبحسب بوخبزة في تصريحه لهسبريس، فإن “الأمر لا يقتصر على الجوانب القانونية فحسب، بل يشمل أيضاً الإجراءات المعقدة داخل هيئات الأمم المتحدة، سواء في الجمعية العامة أو مجلس الأمن؛ ما يتطلب من المغرب استمرار مساعيه الدبلوماسية لتصحيح هذا الوضع”. كما أن إعادة تقييم مهام وتسمية بعثة “المينورسو” أصبحت أمراً ضرورياً، خاصة بعد توقف النقاش حول ‘الاستفتاء’ و’تقرير المصير’ منذ 2007، مما يفرض تعديل كل ذلك ليتناسب مع التطورات السياسية والواقعية في المنطقة.
وأشار المصرح إلى أن “المغرب يتعامل بفعالية مع آليات الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان، حيث تصدر المجالس الجهوية لحقوق الإنسان في الأقاليم الجنوبية تقارير موضوعية تحظى باهتمام دولي، إضافة إلى آليات الاستعراض الدوري لحقوق الإنسان(…) لكن الأولوية الحالية تكمن في الدفع نحو إخراج الملف من اللجنة الرابعة، بما يعكس الواقع الميداني، إلى جانب تطوير مهمة المينورسو وتغيير اسمها لتتوافق مع واقع السيادة المغربية الكاملة على أقاليمه الجنوبية”.
البيروقراطية الأممية تعيق؛ لكن “الإخراج ممكن”
من الواضح أن قضية الصحراء المغربية دخلت منعطفات حاسمة بعد نصف قرن من الارتباط بسردية الانفصال التي وصلت إلى طريق مسدود، كما ألمح إليه تقرير الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش مؤخراً؛ وهذا يستدعي إعادة النظر في آليات التعامل مع الملف، خاصة داخل اللجنة الرابعة.
في هذا الإطار، قدر حسن بلوان، باحث في العلاقات الدولية، أنه “من الصعب التحدث عن إخراج ملف الصحراء المغربية من اللجنة الرابعة دون اجتياز إجراءات قانونية مرتبطة بالبيروقراطية الأممية، خاصة أن المنظمة الدولية لا تريد إحداث سوابق من هذا القبيل؛ إلا أن الأمر ليس مستحيلاً، بالنظر إلى المسار السياسي والدبلوماسي الطويل الذي قطعته المملكة لحسم هذا النزاع بطريقة قانونية تعزز سيادتها الوطنية، مع مراعاة مبدأ حفظ ماء الوجه لجميع الأطراف”.
وأضاف بلوان مستنداً في حديثه لهسبريس إلى أن هناك “سوابق مشابهة تتعلق بهونغ كونغ وماكاو؛ غير أن حالة الصحراء المغربية تبقى مختلفة، لا سيما مع تقديم المغرب مبادرة الحكم الذاتي التي يمكن أن يُحسم الملف على أساسها، مما يفتح الباب لإخراجه مباشرة وتلقائياً من اللجنة الرابعة”.
في هذا السياق، لاحظ الباحث في العلاقات الدولية أن “أي تطور قانوني لإخراج الملف من اللجنة الرابعة لن يتحقق إلا بعد حسم سياسي ودبلوماسي داخل الأمم المتحدة، يثبت بشكل نهائي أن مبادرة الحكم الذاتي هي الخيار الوحيد والحاسم لتسوية هذا النزاع المصطنع”.
“اختصاص حصري لمجلس الأمن”
من جانبه، أكد لحسن أقرطيط، أستاذ جامعي متخصص في العلاقات الدولية والجيوبوليتيك، أن “النقاش –كما أثاره تقرير غوتيريش– حول قضية الصحراء المغربية يعيدنا إلى نقطة الحسم التي رسخها مجلس الأمن الدولي كجهاز تنفيذي معني بالسلام والأمن العالميين، حيث أكد بوضوح أن النزاع المفتعل حول الصحراء يندرج تحت اختصاصه الحصري”.
وقال أقرطيط لهسبريس معلقاً: “من هذا المنظور، فإن الاستراتيجية المغربية تقوم على رفض أي مسار خارج قرارات مجلس الأمن، خاصة أن هذه القرارات شددت مراراً على أن مبادرة الحكم الذاتي هي الأساس الواقعي والموثوق لإنهاء النزاع؛ وهو ما يدعمه المواقف الصريحة لعدد من القوى الكبرى الداعمة لمغربية الصحراء”.
وبالتالي، استنتج الخبير نفسه أن “أي تمسك بطرح الملف داخل اللجنة الرابعة لتصفية الاستعمار لم يعد ذا فائدة، بل هو إهدار للوقت”، بتعبير أقرطيط الذي أكد “خاصة في ظل مواقف حاسمة من المنتظم الدولي؛ فالدول دائمة العضوية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، حددت دعمها الواضح لمبادرة الحكم الذاتي؛ بينما تعكس مواقف الصين وروسيا، مباشرة أو ضمنياً، اتجاهاً متزايداً نحو فهم الموقف المغربي، لا سيما في إطار القانون الدولي الذي ينفي إمكانية قيام كيان انفصالي”.
وختم أقرطيط حديثه للجريدة: “أرى أهمية اتباع دبلوماسية هجومية لإخراج الملف من اللجنة الرابعة، تنسجم مع التطورات السياسية والقانونية المتسارعة، ومع الدينامية الجديدة للسياسة الخارجية للمملكة التي أصبحت أكثر حزماً وصرامة. فالمغرب اليوم واضح في خياراته الاستراتيجية: لا مجال للاستفتاء ولا لأي اقتراح خارج إطار مبادرة الحكم الذاتي تحت سيادته الكاملة، مما يمهد للطي النهائي لهذا النزاع المصطنع”.