سجلت حرائق الغابات في فرنسا خلال العام الجاري أضرارا بالأراضي تفوق ما تم تسجيله في أي سنة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في وقت لا يزال فيه الجدل قائما بشأن الأسباب الدقيقة وراء هذا التصاعد الكبير.
وبحسب تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، فإن تغير المناخ يعد عاملا أساسيا في زيادة شدة الحرائق، نظرا إلى ارتفاع درجات الحرارة واستمرار موجات الجفاف، غير أن البيانات تشير أيضا إلى أن 9 حرائق من أصل كل 10 خلال هذا العام كان للعنصر البشري دور في اندلاعها.
وتواجه الحكومة الفرنسية ضغوطا متزايدة، في ظل اتهامات لها بعدم الاستعداد الكافي لمواجهة موسم الحرائق، بالتوازي مع تركيزها على ملاحقة المشتبه في تسببهم في إشعال النيران.
توقيف 420 شخصا بينهم 166 قاصرا
أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية توقيف 420 شخصا للاشتباه في تسببهم في اندلاع حرائق، سواء بصورة متعمدة أو نتيجة الإهمال.
ومن بين الموقوفين 166 قاصرا، فيما شملت القضايا الملاحقة حالات متفاوتة من حيث الخطورة والملابسات.
وفي إحدى أبرز القضايا، وُجهت إلى شاب يبلغ من العمر 23 عاما تهمة إشعال 10 حرائق بشكل متعمد خلال خمسة أيام فقط في منطقة فار جنوب شرقي فرنسا خلال شهر يوليو.
ويواجه المتهم، في حال إدانته، عقوبة قد تصل إلى 15 سنة سجنا وغرامة مالية قدرها 150 ألف يورو.
انتقادات لقسوة بعض الأحكام
صدرت بالفعل أحكام قضائية في عدد من القضايا، من بينها سجن رجل لمدة ثلاث سنوات بعد إدانته بإشعال ثلاثة حرائق في غابة راون-ليتاب بمنطقة فوج.
غير أن تقارير صحفية محلية أشارت إلى أن المساحة المتضررة في إحدى هذه الحالات لم تتجاوز بضعة أمتار مربعة من الغطاء النباتي.
وأثارت قضايا أخرى انتقادات بسبب ما اعتبره البعض قسوة في العقوبات، من بينها الحكم بالسجن على شخص بلا مأوى وآخر يعاني من توحد شديد بسبب التخلص من أعقاب سجائر بطريقة أدت إلى اندلاع حرائق.
وقالت المحامية مورييل جيستاس: «لفت انتباهي عدد الاعتقالات، ويبدو لي مبالغا فيه».
تساؤلات حول سرعة التحقيقات
يشكك منتقدون أيضا في مدى دقة بعض التحقيقات، خصوصا مع سرعة إغلاق عدد من الملفات وإحالتها إلى القضاء.
كما تسبب نقص المعلومات الرسمية بشأن طبيعة التهم، ووجود القصد الجنائي من عدمه، وحجم الأضرار التي تسببت فيها كل حادثة، في زيادة الجدل حول طريقة تعامل السلطات مع الأزمة.
وفي المقابل، دافع مدعي عام بوردو رينو غوديل عن النهج الصارم، مؤكدا أن الظروف الحالية تجعل حتى التصرفات التي قد تبدو بسيطة شديدة الخطورة.
وقال إن شروط توجيه تهمة تعريض حياة الآخرين للخطر قد تتوافر في حالات رمي عقب سيجارة أو إشعال شواية بالقرب من منطقة غابية، لأن «شرارة صغيرة واحدة تكفي لاشتعال كل شيء».
الإهمال وراء معظم الحرائق
يرى خبراء أن الحرائق المتعمدة لا تمثل سوى جزء محدود من العدد الإجمالي للحوادث.
وتعود غالبية الحرائق إلى الإهمال، مثل رمي السجائر، أو الشرر الناتج عن أعمال البناء، أو أعطال المعدات الكهربائية، أو إشعال الشواء في مناطق معرضة للاشتعال.
ومع الجفاف الشديد وارتفاع درجات الحرارة، تصبح مثل هذه الأسباب البسيطة كافية لإشعال حرائق واسعة والانتشار بسرعة كبيرة.
ويعيد هذا الوضع النقاش في فرنسا حول التوازن بين تشديد العقوبات على المتسببين في الحرائق، والاستثمار في الوقاية والاستعداد لمواسم أكثر خطورة في ظل تغير المناخ.