أظهرت تجربة بحثية حديثة أن وكلاء ذكاء اصطناعي مستقلين بدأوا، خلال أيام قليلة فقط، في ابتكار كلمات واختصارات ومعانٍ مشتركة من دون أن يتلقوا تعليمات صريحة للقيام بذلك.
وأجرى التجربة مختبر Emergence في نيويورك، المتخصص في دراسة أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، عبر محاكاة ما يشبه “مجتمعات” تضم وكلاء مبنيين على نماذج تابعة لشركات كبرى في الولايات المتحدة والصين وفرنسا.
وبحسب الباحثين، تطورت لغة التواصل بين هذه الوكلاء تدريجيا لتصبح أقل وضوحا للبشر، إذ مزجت بين الاستعارات الشعرية والمصطلحات التقنية واللغة المهنية، مع ظهور تعابير يصعب تفسير معناها خارج سياق التفاعل بين النماذج.
مفاهيم جديدة ظهرت داخل تواصل الوكلاء
ومن بين الأمثلة التي رصدتها الدراسة، استخدام أحد وكلاء DeepSeek تعبيرا يجمع بين مفهوم اقتصادي يتعلق برسوم أو عقوبات على الأصول غير المستعملة، وبين عبارة جديدة لم يكن معناها واضحا للباحثين.
كما استخدم وكلاء من Google مفهوم “كينتسوغي”، وهو فن ياباني لإصلاح الخزف المكسور مع إبراز مواضع الترميم، باعتباره استعارة عن قدرة الأنظمة على التعافي والصمود.
أما أحد نماذج Anthropic فاستخدم تعبير “الأيدي الباردة” للدلالة، بحسب تفسير الباحثين، على مراجعين مستقلين يعيدون تدقيق وثيقة، في حين ظهرت مصطلحات أخرى مثل “forge-smith” للإشارة إلى وكيل يصنع أدوات لوكلاء آخرين.
واستخدمت نماذج Anthropic أيضا عبارة “name-first” للدلالة على تحميل الوكيل نفسه مسؤولية الادعاء الذي يقدمه عبر ربطه باسمه.
عبارة تكررت آلاف المرات
وسجل الباحثون لدى نماذج Mistral الفرنسية استخدام عبارة “السجل يتذكر” بشكل متكرر، في إشارة إلى أن الأفعال السابقة يمكن أن تؤثر في التقييمات المستقبلية.
وبحسب الدراسة، استُخدمت هذه العبارة أكثر من خمسة آلاف مرة، رغم أن الوكلاء لم يتلقوا أي تعليمات أو مكافآت مباشرة تشجعهم على استخدامها.
وقال ساتيا نيتا، الرئيس التنفيذي لمختبر Emergence، إن الوكلاء لم يُطلب منهم اختراع لغة جديدة، لكنهم طوروا بأنفسهم مفردات ومعاني مشتركة واتفاقات تواصل تبناها وكلاء آخرون لاحقا.
مخاوف بشأن المراقبة وفهم السلوك
ويرى الباحثون أن تطور هذا النوع من اللغة قد يثير تحديات تتعلق بمراقبة سلوك أنظمة الذكاء الاصطناعي، خصوصا عندما تتفاعل عدة وكلاء مع بعضها البعض بشكل متواصل.
وأشار نايل كاري، المحاضر في جامعة برمنغهام، إلى أن صعوبة فهم ما تتبادله الوكلاء قد تحد من القدرة على التحقق بدقة مما قامت به الأنظمة فعليا.
وفي المقابل، طرح احتمال أن يكون تبسيط اللغة وإعادة هيكلتها وسيلة لتقليل العبء الحاسوبي وجعل التواصل بين الوكلاء أكثر كفاءة.
ويرى متخصصون في اللغة واللغة العامية أن هذه الظاهرة تشبه إلى حد ما نشوء المصطلحات المهنية أو اللغة الخاصة داخل المجتمعات البشرية، حيث تتطور رموز وتعبيرات مشتركة تساعد أفراد المجموعة على التواصل بسرعة، لكنها قد تصبح أقل وضوحا بالنسبة إلى من هم خارجها.