في خطاب قوي ومباشر ألقاه الثلاثاء الماضي بالرباط، أطلق رئيس محكمة النقض، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، محمد عبد النباوي، صرخة إنذار واضحة. الوضع الذي وصفه بـ«الحمل الثقيل غير المحتمل» يهدد جودة الأحكام واستقرار الاجتهاد القضائي، بسبب الطوفان الهائل من الطعون «غير المبررة، بل وأحياناً مضرة».
أكد عبد النباوي أن محكمة النقض المغربية تسجل سنوياً أكثر من خمسين ألف طعن، في رقم يعتبره غير معقول مقارنة بنظيراتها في دول أخرى ذات تعداد سكاني أكبر، حيث لا تتجاوز أعداد الطعون نصف هذا الحجم أو أقل. وشدد على أن مواجهة هذا الانسداد ليست مجرد مسألة إدارية أو تنظيمية، بل هي معركة لحماية جودة العدالة واستعادة ثقة المتقاضين.
الأرقام تتحدث: 8 طعون من كل 10 تُرفض
لتوضيح حجم المشكلة، قدم عبد النباوي أرقاماً صادمة لسنة 2025:
- تم تسجيل 60 035 طعناً جديداً، أضيف إليها 46 549 ملفاً مؤجلاً من 2024، ليصل إجمالي الملفات المعروضة إلى 106 584.
- تم الفصل في 54 049 ملفاً فقط، ما يعني بقاء أكثر من 52 ألف ملف معلقاً في بداية السنة القضائية 2026.
- نسبة الطعون المقبولة لا تتجاوز 21,71 %، في حين تُرفض نحو 78 % منها.
- من بين الطعون المرفوضة، يتم استبعاد 10 % تقريباً لأسباب شكلية قبل النظر في الأصل (أي 13 493 طعناً).
هذه الأرقام تعني، عملياً، أن ربع الحمل الوارد على المحكمة يُستهلك في معالجة ملفات لا تستحق النظر أصلاً، مما يُثقل كاهل المجلس ويؤخر الفصل في القضايا الجديرة بالبت.
مقارنة دولية تُظهر الاستثناء المغربي
لم يكتفِ عبد النباوي بالأرقام المحلية، بل وضعها في سياق دولي مقارن:
- فرنسا، التي يفوق عدد سكانها تعداد المغرب، تسجل نحو 20 700 طعن سنوياً.
- ألمانيا لا تتجاوز 7 000 طعن في السنة.
- في دول أخرى، يبقى الرقم أقل بكثير.
هذه المقارنة تكشف أن المشكلة لا تكمن فقط في حجم السكان أو عدد القضايا، بل في نمط التقاضي نفسه الذي يحول محكمة النقض إلى درجة ثالثة من التقاضي بدلاً من أن تكون محكمة عليا مكلفة بتوحيد الاجتهاد وضمان الأمن القانوني.
الإصلاح ضرورة ملحة لحماية الثقة
دعا رئيس محكمة النقض إلى إعادة التفكير الجدي في شروط الطعن بالنقض، وإلى وضع معايير أكثر صرامة في مرحلة القبول الأولي للطعون، حتى لا تصل إلى المحكمة العليا إلا القضايا ذات الأهمية القانونية الحقيقية.
وأكد أن معالجة هذا الانسداد ليست مجرد مسألة إدارية، بل هي جزء لا يتجزأ من إصلاح منظومة العدالة برمتها، ومن استعادة الثقة العامة في القضاء كمؤسسة مستقلة وفعالة.
في ختام كلمته بافتتاح السنة القضائية 2026، وصف عبد النباوي الوضع بـ«الإنذار الذي لا يحتمل التأجيل»، داعياً إلى حوار وطني مسؤول وعميق حول شروط الطعن بالنقض، وحول دور محكمة النقض كحارس للوحدة القضائية والأمن القانوني.