Table of Contents
عاد ملف غرينلاند إلى واجهة التوتر بين واشنطن وكوبنهاغن، بعدما أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساء الأحد تمسكه بفكرة ضم الإقليم القطبي إلى الولايات المتحدة، رغم الاعتراض الحازم الصادر عن رئيسة الوزراء الدنماركية، التي دعت واشنطن إلى وقف ما وصفته بـ”التهديدات” ضد حليف تاريخي.
تصريحات ترامب جاءت في سياق مناخ سياسي ودبلوماسي متوتر، بعد التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا وما رافقه من إبراز اهتمام البيت الأبيض بالموارد النفطية الهائلة هناك، وهو ما أعاد إحياء المخاوف الأوروبية من أن تتحول غرينلاند، الغنية بالمعادن النادرة والموقع الاستراتيجي في قلب المنطقة القطبية، إلى الهدف التالي في حسابات الإدارة الأميركية.
ترامب: “نحن بحاجة إلى غرينلاند”… والدنمارك “لن تتدخل”
في حديث للصحافيين على متن طائرة الرئاسة الأميركية “إير فورس ون” مساء الأحد، أكد ترامب أن واشنطن ترى في غرينلاند أولوية استراتيجية، قائلاً: “نحن بحاجة إلى غرينلاند من وجهة نظر الأمن القومي، ولن تتدخل الدنمارك في احتلالها”. وأضاف في عبارة أثارت الكثير من التساؤلات: “نحن نسكن في جروينلاند في بيئتنا الرطبة… ونسكن في جروينلاند لمدة 20 يومًا”.
وجاءت هذه التصريحات بعد عطلة نهاية أسبوع شهدت تصعيداً في اللهجة بين العاصمتين، إذ كانت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن قد طالبت الولايات المتحدة بوقف ضغوطها المتعلقة بمستقبل الإقليم.
وفي حديثه لمجلة “The Atlantic” خلال مقابلة هاتفية حول انعكاسات العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا على منطقة القطب الشمالي، أشار ترامب إلى أنه “أصبح شريكاً في التقييم” بخصوص غرينلاند، وفق ما نقلته المجلة، في إشارة إلى أن الملف بات جزءاً من الحسابات الاستراتيجية طويلة المدى لإدارته.
كوبنهاغن ترد بقوة: السيادة ليست للبيع
موقف الدنمارك الرسمي جاء حاسماً عبر بيان لرئيسة الوزراء ميتي فريدريكسن مساء الأحد، رفضت فيه بشكل قاطع أي حديث عن ضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة. وقالت: “أطالب الولايات المتحدة بوضع حد لتهديداتها ضد حليف تاريخي وضد أرض وشعب يدركان بوضوح أنهما ليسا للبيع”، مضيفة: “يجب أن أقول بوضوح تام للولايات المتحدة: من السخف تمامًا أن يُقال إن على الولايات المتحدة السيطرة على غرينلاند”.
التصعيد لم يقتصر على التصريحات الرسمية. فقبل ذلك بيوم، أثار منشور على حساب “إكس” الخاص بكاتي ميلر، زوجة نائب مدير موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر، غضباً واسعاً في الدنمارك. إذ نشرت خريطة لغرينلاند ملوّنة بألوان العلم الأميركي مع تعليق مختصر بأحرف كبيرة: “قريبًا” (“bientôt”).
وكانت كاتي ميلر قد شغلت سابقاً منصب مستشارة ومتحدثة باسم لجنة الكفاءة الحكومية (Doge)، التي كان يترأسها آنذاك إيلون ماسك، قبل انتقالها للعمل مع الملياردير في القطاع الخاص. غير أن منشورها الأخير اعتُبر في كوبنهاغن استفزازاً مباشراً يتجاوز حدود المزاح السياسي.
ردود غاضبة من غرينلاند والدبلوماسية الدنماركية
من جانب الإقليم نفسه، وصف رئيس حكومة غرينلاند ذاتية الحكم المنشور بأنه “غير محترم”. وقال ينس فريدريك نيلسن في تدوينة على فيسبوك: “إن العلاقات بين البلدان والشعوب مبنية على الاحترام والقانون الدولي، وليس على رموز تتجاهل القانون والقانون”. وأضاف أن الأمر لا يستدعي “الذعر أو الاستفسار”، لكنه يستوجب تذكير الجميع بأن موقع غرينلاند القانوني والسياسي ليس موضوعاً للمساومة على وسائل التواصل.
سفير الدنمارك لدى الولايات المتحدة، يسبر مولر سورنسن، رد بدوره على رسالة ميلر، مؤكداً: “ننتظر الاحترام الكامل لسيادة مملكة الدنمارك”.
فريدريكسن شددت أيضاً على أن مملكة الدنمارك، التي تضم جزر فارو وغرينلاند، “عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتستفيد من ضمانة أمن الحلف”، مذكّرة بأن بلادها حليف تقليدي وتاريخي لواشنطن، وإحدى المزودات المهمة للأسلحة والمساهمة في عمليات الحلف.
رفض شعبي واسع في غرينلاند وملف ضغط متصاعد
غرينلاند، الجزيرة القطبية الشاسعة ذات الحكم الذاتي والتي يبلغ عدد سكانها 57 ألف نسمة، ترفض بشكل قاطع فكرة بيع أراضيها أو ضمها إلى دولة أخرى، وتطالب بحقها في تقرير المصير. واستناداً إلى استطلاع رأي نُشر في يناير 2025 بصحيفة “غرونلانديه سيرميتسياك”، فإن 85% من سكان الجزيرة يعارضون انضمام غرينلاند مستقبلاً إلى الولايات المتحدة، بينما يؤيد ذلك 6% فقط.
الملف ازداد حساسية منذ إعلان إدارة ترامب في نهاية ديسمبر السابق تعيين مبعوث خاص لغرينلاند، في خطوة اعتبرتها كوبنهاغن وكأنها “تدويل” مقنّع لملف داخلي دنماركي. وفي مارس 2025، أثار نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بدوره ضجة حين أعلن عزمه زيارة الإقليم من دون دعوة رسمية، قبل أن يكتفي في النهاية بجولة على القاعدة العسكرية الأميركية الوحيدة في المنطقة.
ومؤخراً، كشفت قناة تلفزيونية أن ثلاثة أميركيين على الأقل، على صلة بدائرة ترامب السياسية، يقومون بأنشطة وعمليات نفوذ في المنطقة القطبية، في صورة إضافية على أن غرينلاند باتت فضاءً مفتوحاً لصراع ناعم على الموارد والمواقع الاستراتيجية، تتصدره واشنطن، وسط رفض دنماركي وشعبي متزايد لمحاولات تغيير الوضع الراهن.