في زمن يغلب فيه الإنجاز السريع والافتراضي، اختار متسلق مغربي أن يرسم مساره بخطى بطيئة فوق الصخور والثلوج، ليُعيد اكتشاف جبال بلاده ويضعها على خارطة المهتمين بالمغامرة والطبيعة. إنه إبراهيم، ابن الدار البيضاء، الذي حوّل شغفه الشخصي بتسلق الجبال إلى مهمة وطنية صامتة، يتحدى بها وعورة المسالك وقسوة الطبيعة.
أكثر من 300 قمة اعتلاها الرجل حتى الآن، بينها قمم شديدة الصعوبة ظلت لعقود خارج دائرة الاهتمام. لم يكتفِ إبراهيم بالوصول إلى القمم، بل حرص على أن يترك في كل منها بصمة دائمة: لوحات تعريفية صغيرة يثبتها بنفسه، تحمل اسم الجبل وارتفاعه وموقعه، في خطوة رمزية تهدف إلى إحياء أسماء الجبال المنسية وتشجيع عشاق الرياضات الجبلية على زيارتها.
ورغم أننا في شهر رمضان المبارك، يواصل إبراهيم مغامراته في جبال الأطلس المكسوة بالثلوج، حيث يختلط الصقيع بإرادة حديدية، والرياح الباردة بإصرار لا يعرف الكلل. هذه الصور تُجسد بصدق روح التحدي التي يحملها الرجل، فالطبيعة القاسية لم تكن يوماً عائقاً، بل كانت دافعاً إضافياً للمضي قدماً.
سبق لإبراهيم أن صعد قمة توبقال – أعلى قمة في شمال إفريقيا – مرات عديدة، مما جعله من الأسماء القليلة التي تركت بصمة واضحة في تاريخ تسلق الجبال التونسي. لكن إنجازه لا يقتصر على العدد أو الارتفاعات، بل يتجاوزه إلى بعد وطني أعمق: إبراز الثروة الجبلية المغربية، وتحفيز السياحة الرياضية البيئية، وإعادة اكتشاف مناطق كانت مهمشة في الوعي الجماعي.
رحلة إبراهيم ليست مجرد مغامرة فردية، بل مبادرة مواطنة هادئة تختصر حب الأرض وروح التحدي. بإمكانيات بسيطة للغاية – حقيبة ظهر، حذاء تسلق، وعزيمة لا تلين – يواصل الرجل تحدي المستحيل، غير عابئ بقلة الدعم المادي أو صعوبة الطريق. يؤمن أن الشغف الصادق أقوى من كل العراقيل، وأن كل قمة يصل إليها تضيف حجراً إلى بناء صورة أجمل للمغرب الطبيعي.
بين صخرة وثلجة، يثبت هذا البطل الهادئ درساً كبيراً: العظمة لا تُقاس بحجم الميزانية أو عدد المعدات، بل بقوة الهدف وصلابة الإرادة. إبراهيم لم يتوقف بعد، فحلمه أكبر من أن ينكسر: أن يزور كل قمم المغرب، ويمنح كل جبل حقه من التعريف والتقدير، ليبقى اسمه خالداً في ذاكرة الجبال والناس على حد سواء.